المقاهي نقطة جذب المرشحين وأصحابها “مفاتيح” إنتخابية”

 

كان للمقاهي الشعبية في بيروت قديماً،  نكهة خاصة ومميزة في الإنتخابات النيابية، لا سيما في المناطق الشعبية ذات الكثافة السكانية، التي كانت تعتبر بمثابة “خزان إنتخابي”، تحمل جملة ذكريات إنتخابية منذ الثلاثينيات القرن الماضي…

فقد كانت تلك المقاهي نقطة جذب للمرشحين، قبل زمن تكنولوجيا الإتصالات ومواقع التواصل الإجتماعي ووسائل الدعاية الإنتخابية من محطات تلفزة وصحف ورقية وإلكترونية ولرحات إعلانية إلكترونية، وغيرها من الوسائل، حيث أن معظم المرشحين يحرصون على عملية التواصل المباشر مع الناخبين.

فكان ينزل المرشحون خلال حملتهم الإنتخابية إلى المقاهي لعرض برامجهم الإنتخابية، ومعها وعود بتحسين الأوضاع المعيشية والإجتماعية للمواطنين، فضلاً عن إهتمامهم بمناطقهم وأماكن سكنهم لناحية تنميتها.

 

فالمقهى، هو أفضل مكان يمكن من خلاله إستقطاب العشرات، والفضاء المفتوح للتعبير، خصوصاً خلال الحملة الإنتخابية.

لذلك، كان يحاول المرشحون القدامى والجدد “دغدغة” مشاعر الناس بالدخول إلى المقاهي الشعبية، وإرتشاف فنجان قهوة مع روادها، وتبادل أطراف الحديث معهم، وطرح موضوع العمل وتحسين مستوى المعيشة، بالتطرق إلى برامجهم التي يقدمونها خلال حملتهم الإنتخابية…

وكانت المقاهي موسم الإنتخابات، تنقسم إلى فئتين: فئة متاحة أمام كل مرشحي الدائرة الإنتخابية، وأخرى مخصصة لمرشح بعينه.

 

المقاهي المختلطة:

هذه المقاهي تستقبل في موسم الإنتخابات المئات من المواطنين الذين يعقدون الجلسات ويتناولون أوضاع المرشحين ويستعرضون قوة كل منهم وتقديماته وخدماته على الأرض وإمكانية فوزه أو خسارته، فتتحول كل جلسة إلى ما يشبه “البورصة”، حيث ترتفع أسهم مرشح وتسقط أسهم آخر في النقاشات بين المناصرين والمستفيدين، الذين يحاول كل منهم “شد اللحاف لـ صوبه”، فيأخذ في الدفاع عن مرشحه ويعمل على تبيان حسناته وخدماته ولا يخلو الأمر من معارضة هنا وردّة فعل هناك، فيحتدم النقاش ويعلو الصراخ في الدفاع والهجوم وتنفضّ الجلسات بعدها أما على خير وسلام، أو على بعض زغل أو زعل الذي قد يؤدي إلى إشكالات.

مقاهي المرشح الواحد:

كذلك، كانت تنتشر مقاهي الرشح الواحد، التي يتفق أصحابها سلفاً مع أحد المرشحين لتكون حصراً مخصصة كـ “مكتب إنتخابي” له، وهي تعرف من الصور المرفوعة على أبوابها، أما جلساتها فتكون دائما تحت إشراف صاحب المقهى الذي يلعب دور “المفتاح الانتخابي”، فيروج له بمختلف وسائل الإقناع، دون أن تخلو من المبالغة في سرد مآثر المرشح، وما سوف يتحقق من إنجازات في حال فوزه، خصوصاً عندما يزور المرشح المقهى، تقرباً من الناخبين، وخدمة لصورة التواضع والبساطة والتواضع، وكسب ودهم، فيدب الحماسة في نفوس الحاضرين، الذين يصغون إليه بكل ترحاب، وهم يتناولون مشاريبهم ويدخنون “الأراكيل” على نفقته، على أن تنتهي تلك الجلسات بتوزيع الوعود (الرشاوى) التي منها: أموال نقدية، وعود بالتوظيف، خدمات صحية، تسهيل مرور، رخص “بسطات” أو عربات، وغيرها من الخدمات…

في حين يمنح صاحب المقهى إمتيازات وصلاحيات تزيد من نفوذه في منطقته، كرخصة بيع الدخان، ورخص سلاح لرجاله، وإطلاق سراح الموقوفين، وإنجاز المعاملات الرسمية، فضلاً عن المبالغ المتلية التي كان يجنيها من مرشح.

هكذا كانت تتحول المقاهي الشعبية في موسم الإنتخابات إلى “محجة” للمرشحين، كونها تشكل أهم المفاتيح الإنتخابية، فيعمل كل مرشح على طرح برنامجه والوعد بتحقيقه كاملاً، بحثاً عن توسيع قاعدته الشعبية وكسب إستعطاف الناخبين من خلال التواصل المباشر معهم والإستماع إلى هواجسهم وطلباتهم، ومحاولة “إقناعهم” بأنها ستكون شغله الشاغل في حال فوزه…

المصدر : جمعية تُرثُنا بيروت

زر الذهاب إلى الأعلى