الرملة البيضاء شاطئ ” سان بلاش”

منذ منتصف القرن الماضي، كان ذوي الدخل المحدود والفئات الإجتماعية المتواضعة من الناس، الذين لم يكن بمقدورهم إرتياد المسابح الخاصة والفخمة، وإنفاق بضعة ليرات للتمتع ببحر بيروت، والإسترخاء تحت ظل الشماسي الملونة، والتمدّد على كراسي الإستلقاء، كان هؤلاء الناس يستعيضون عنها بالنزول إلى شاطئ “الرملة البيضاء” المجاني، الذي أطلق عليه البيروتيون إسم “السان باليش”(!)، كإشارة مسلية للدلالة على مجانيته، دون أن يخلو الأمر من التهكم والطرافة في نفس الوقت. بالنسبة للمسابح الخاصة، التي حمل كثير منها أسماء القديسين، والتي لا تبعد عنه أكثر من عدد قليل من الكيلوميترات.

فهذا العظيم الأزرق، الذي إكتسب زرقته من صفاء السّماء وجمالها، والمنطلق من شاطئ ذات رمال بيضاء ذهبية، وُجد للناس جميعاً، لا سيّما البسطاء منهم، لا أحد يملك البحر ولا أحد يستطيع أن يضع له نظاماً خاصاً به.. روح التجدّد وذهاب الموج وعودته تذكّر الناس الطيبين عن أنه ملك التجديد، وغاسل أدران الحياة دائماً وأبداً، كيف لا؟! وهم الباحثين عن أمل جديد وإنشراح لرؤية الماء

فالحياة بالنسبة لهم “ماء وضوء ونسمة”، حيث يأتيهم الفرح من على شط “الرملة البيضاء” مثل أسراب الأمواج المبتسمة المتدفقة إلى الشاطئ، مكان جلوسهم، ذلك الشاطئ الذي رسموا بدعسات أقدامهم المتناسقة والهادئة على رماله لوحة فنية تعبّر عن حياتهم اليومية المنسجمة والمنضبطة مع موسيقى صوت الأمواج المتراقصة على أنغام الرياح التي تلامس زبدها، تحت أشعّة الشمس التي تشبه سنابل القمح المداعبة لشعر فتاة ذهبيّ أصفر لامع، تطيب النفوس عند رؤيته.

فكان “السان بلاش” يعيش حالة من الصخب والحيوية، فترى شباب يتلصصون خلسة بنظراتهم عن بعد على الصبايا اللواتي إلتصقت ثيابهن بأجسادهن بعدما غطسن في المياه (إرتداء “المايوهات” لم يكن محبذ في تلك الفسحة الشاطئية)، وآخرون يلعبون كرة القدم أو الطائرة الشاطئيتين، وبعضهم يتبارزون في مواجهة تيارات الأمواج التي لا تخلو من الخطورة، كما أن مجوعات منهم “يفتون ضق شدّة” أو يتبارون في لعب طاولة الزهر، حيث تعلو أصواتهم إما بسبب “التزريك”، أو الشماتة بالخاسرين، أو بسبب إتهام بعضهم بالغش.

 

 

وجهة البيروتيين للتمتع بالبحر:

كان شاطئ “الرملة البيضاء” وجهة العائلات الفقيرة، ليشعروا بإنتمائهم إلى مدينتهم “المتوسطية” ولتلامس أجسادهم الكائظة المتعبة بحرها الذي طالما تغنوا بروعته وجماله، ولترتطم بأمواجه المتدفقة من بعيد.

لم يكن هناك “شاليهات” ولا “كابينات”، ولا مظلات ملونة ثابتة لا من قماش ولا من قش، ولا غرف لتبديل الملابس، ولا حتى “دوشات” لغسل أجسام الرواد من الرمال التي “تمرمغوا” بها وإزالة ملح مياه البحر التي جفت عليها!

بل كان ل “السان بلاش” نظام خاص به من الفوضى المنظمة غير المتفلتة، هو أقرب إلى العرف أو الإتفاق بالتراضي “جانتلمان”، (هذا إذا إستثنينا أبراج المراقبة المخصصة لرجال الإنقاذ، للتدخل عند حصولة أية حالة غروق)، حيث أن رواد الشاطئ أنفسهم، ودون تنسيق فيما بينهم كانوا ينظمون عملية إنتشارهم وتحديد الحيز الخاص بهم، من خلال حجز مكاناً لهم على الشاطئ بغرس مظلة أحضروها معهم (غالباً ما تكون “دعاية” لإحدى شركات الدخان أو المرطبات)، إضافة إلى وضع المناشف على الرمل، وإلى جانبها براد صغير بداخله الثلج المكسر لتبريد ما أحضروه معهم من زجاجات مياه وفاكهة وبعض “السندويشات”، فتتحول هذه المساحة إلى ملكية خاصة مؤقتة حتى مغيب الشمس، حيث يجتزئون من الشاطئ أماكنهم، ولا أحد يهتم لخصوصية الآخر، فلا شيء يجمعهم إلا ظروفهم المعيشية وزرقة البحر.

 

نساء وأطفال السان بلاش:

أما في المقلب الآخر الخاص بالنسوة، فكن يضعن الشراشف والمناشف بشكل خيم مؤقتة لزوم حجب أنظار المتطفلين بنظراتهم الخبيثة، حيث يقمنّ خلفها “بترتيب “القعدة”، فينصبنّ الكراسي (التي تفتح وتغلق)، ويضعنّ طاولة “بلاستيكية” في الوسط، يُفرش عليها شرشف قديم لوضع البزورات، وصحون الفاكهة الصيفية، ويعمرنّ “الأراكيل”، فتصبح الجلسة مهيأة، لتبدأ بتبادل أطراف الحديث، فتتحوّل شيئاً فشيئاً إلى تركيب “المقلة” (الغيبة والنميمة)، لكن دون إلحاق الأذى بغنيمتهنّ، حيث يقتصر الإستهداف على التسلية والمداعبة والطرافة،(!) بهدف اللهو والتسلية، إلى أن تصبح “قعدتهم” في وقت لاحق إلى طربية-“نشازية” بإمتياز، حيث غالباً ما تُحضر إحدهن “طبلة” لزوم الإيقاع، ليزداد النشاز نشازاً، عندما يبدأن بالغناء المصحوب بنقرات الطبلة، مقرونة مع “فتلة” رقص من قبل الصبايا، للفت أنظار الستات اللواتي يبحثنّ عن شريكة عن عروس لأحد أبنائهن، (بركي بيجي نصيبهن)!

من جهتهم الأولاد الذين “تلفح” الشمس وجوههم وأجسامهم الفتية، أيضاً لهم طقوسهم البحرية، صحيح أنهم يفضلون قضاء أغلب وقتهم في مياه البحر “مبلعطين” وسابحين، فما أن يطلعوا من المياه حتى يهرعون إليها مجدداً، ولا يثنيهم عن ذلك إلا عندما يتوزعون على فريقين ليلعبوا كرة القدم، ليس بالضرورة بواسطة الكرة الخاصة بها (ذات المواصفات الفنية)، بل يكفي أن تكون بحوذتهم “طابة” لمزاولة اللعبة، وإذا لم تتوفر فيستعيضون عنها بأي قارورة أو عبوة فارغة، وهم غالباً ما يكونون اللاعبين والحكّام في نفس الوقت، مما يتسبّب بالتشاجر فيما بينهم، فتصدح أصوات “خناقاتهم” ومشاجراتهم حول مدى صحة ما يحتسب من أهداف و”فاولات” و”بنالتي” إلخ

في هذا الوقت كان يجول بين تجمعات مرتادي الشاطئ الباعة المتجولون، كل واحد منهم ينادي على بضاعته بكلمات مسجعة ومنغمة، كوسيلة لجذب الزبائن، فهذا يبيع “الكازوز” البارد (المشروبات الغازية)، وذاك يبيع “الجيلاتي” (البوظة)، وآخر يبيع “السندويشات”، وبائعو الكعك و”القليطة” أيضاً كان الشاطئ فرصة لهم بحثاً عن رزقهم، حتى أن قوارير المياه والثلج كان لهم بائعيهم.

كذلك، فإن شاطئ “الرملة البيضاء” كان مسرحاً لطقس بيروتي تراثي عريق، يتمثل بالإحتفال الشعبي البيروتي بذكرى “أربعة أيوب” خلال شهر نيسان من كل عام، حيث كان ينصبون الخيم و”العرازيل” إحتفاءاً بهذه المناسبة، المقرونة بحلوى “المفتقة” التي ترمز في المعتقد الشعبي البيروتي إلى صبر النبي أيوب، نظراً للوقت والجهد الكبيرين الذي يستغرقه إعدادها وتحضيرها، حتى “يفقص السارج”…

لا بد أخيراً من الإشارة بأن شاطئ “الرملة البضاء” كان يشكل نظاماً متكاملاً للكثير من الكائنات البحرية، وأهمها السلحفاة البحرية التي بإمكانها وضع بيوضها في هذه الرمال التي أصبحت نادرة الوجود على طول الشاطئ اللبناني، كما هي مهددة بالانقراض نتيجة التدمير الممنهج لبيئتها وبسبب التلوث البحري. كذلك يسكن فيها السرطان الرملي وأسماك “الراي”، إضافة إلى كونها مكاناً لتكاثر بعض الأصداف.

 

المصدر : جمعية تُراثُنا بيروت

 

 

 

 

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى